أحمد بن يحيى العمري

396

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

المصري البحر ولا البرّ ولا السهل ولا الجبل . والناس فيه على قسمين : حتى أهل بلده ؛ فأناس يقولون : إن أموره كانت رحمانية . وأناس يقولون : إنها شيطانية ! . وسواد الجمهور : على حسن الاعتقاد فيه ، وسأحكي من أموره ما فيه غنى للواقف عليه . قدمت مصر وهذا الرجل قد طارت سمعته ، وطرقت الشام ، وأسمعت الخاص والعام ، ولم تبق أذن إلا وفيها منه صالح ، وذاكر له بذكر صالح ، وكنت أتمنى لقاءه ، وقصدت هذا في قدمتي الإسكندرية ، فحالت دون ذلك شواغل خدمة السلطان ، وتمادى عليّ ذلك الأمد ، فقدم مصر حاجّا ، وأتى إلى خدمة السلطان ، واجتمع به في الميدان المجاور للاسطبل ، وكان فخر الدين ناظر الجيوش الجامع بينهما ، وقام السلطان له ، وأكرمه ، وأجلسه إلى جانبه ، وأقبل عليه يحدّثه لما قرره فخر الدين في صدره ، فلم يكن للشيخ حديث يحدّث به السلطان ، ولا موعظة يعظه بها ، ولا مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة يوصيه بها ، إلا الإطناب في شكر فخر الدين ، وذكر دينه وزهده وصلاحه ، وأنه يتعين على السلطان أن يغتبط به ، ويعتمد عليه ، ويمسكه بيديه ، وجعل كل مجلسه في هذا . فنزل من عين السلطان ، وقال لألجاي الدواداري : هؤلاء يتقارضون الشهادات ! . ثم قال له : لو كان هذا وليا من أولياء الله أوصاني بسائر عباد الله ، ولم يقتصر على ذكر الفخر ، وكم في الناس من رجل قدمه خير من الفخر ! . وقال لبكتمر الساقي « 1 » : والله لولا الحياء من الناس كنت ضربه على فمه ! . ثم خرج المرشدي إلى الحج ، وخرج السلطان إلى سرياقوس ، فخرجنا معه ، وأتانا الخبر بأن

--> ( 1 ) بكتمر بن عبد الله الركني الساقي الناصري ، كان من مماليك الملك المظفر بيبرس ، ثم انتقل إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون ، فحظي عنده ، وجعله ساقيا ، كان وافر العقل والسكون والحرمة والحشمة ، قريبا من الناس ، يتلطف بهم ، ويسوسهم أحسن سياسة ، وكان يمنع السلطان عن كثير من المظالم والعسف ، توفي سنة 733 هجرية . انظر : " المنهل الصافي 3 / 390 " .